إيماسين والتنمية: ستون عام من المطاردة

ظلت إيماسين منذ الاستقلال مبعثرة الانتماء، ما جعل التنمية تمر بالطريق الوطنية العابرة لأراضيها في حدود ما يقارب عشرة كيلومترات من

إسكي إلى لقواس.

في بادئ الأمر كانت إيماسين تنتمي إلى جماعة تندوت أيت زكري على بعد خمسين كيلومترا، هذه المسافة الطويلة كافية أن تمنع أية مشاريع تنموية عنها، بعد وفاة أمغار نايت زكري نواسيف “خاموح” تم الحاق إيماسين بأيت زكري نودرار مع الشيخ “موح أوالحسين نايت باعلي”، فتحولت إيماسين إلى شطر من خمس خماس لقبائل إمغران المشكلة للجماعة القروية بتندوت أو لقيادتها. كلا المؤسستين لهما نفس الامتداد الجغرافي.

كل هذه التعقيدات تفرض على السكان معاناة كبيرة، خاصة عند الحاجة إلى وثائق إدارية، وكم مرة يبيت رجال إيماسين في العراء أمام قيادة أو جماعة تندوت…

في بداية التسعينيات تم الحاق إيماسين بجماعة سكورة بقرب يعادل خمسة و عشرون كيلومترا. تنفس الناس الصعداء و تخلصوا من برد و جوع و ابتزاز موظفي تندوت.

في اجتماع دعا إليه عامل إقليم ورزازات  في الثمانينيات من القرن الماضي مع ممثلي و أعيان قبائل إمغران و سكورة و إيماسين، أخذ العامل يسألهم واحدا تلو الآخر عن أحوالهم، جاء دور ممثل إيماسين الذي كان يدعى مولاي عبد القادر.

-سأل العامل: مولاي عبد القادر ماذا عندكم؟

-أجاب مولاي عبد القادر: عندنا زراعة الحبوب من قمح و شعير و ذرة و تمور و أشجار مثمرة و غلال مختلفة …

-لكن العامل حرك رأسه أفقيا بتكرار قليل و رد قائلا: ما أقصده يا مولاي عبد القادر هو هل عندكم أساتذة و مهندسون و أطر عليا في مختلف التخصصات …

-ابتلع مولاي عبد القادر كبرياءه  بمرارة…و صام عن الكلام.

عاد “الزعيم” إلى إيماسين فصرخ في الناس و شجعهم على تعليم أبنائهم، و أدركوا ألا أحدا سيضع بلدتهم على خريطة التنمية سوى أبنائهم الحائزين على شواهد مرموقة و مناصب محترمة تجعل أصواتهم مسموعة لذا الجهات التنفيذية الرسمية.

منذ ذلك الحين بدأ العشرات من تلاميذ إيماسين يتوافدون على إعدادية الزيتون بسكورة سنويا.

إن حاجة هذه المنطقة للتنمية جعل تلاميذها في الإعداديات و الثانويات و الجامعات يحتلون المراتب الأولى، حتى تشكلت طبقة عريضة من الأطر في أسلاك عديدة من أساتذة و مثقفين و طلبة و نشطاء جمعويين و إعلاميين…

لا تحتاج إلى جهد كبير لتشخيص الحاجة هنا إلى التنمية .بجهودهم الخاصة بنى السكان مستوصفا صغيرا بالتابوت و بيت آخر كمركز بريد تم اغلاقه لاحقا و نقل الموظف إلى إدارة البريد بسكورة، و بيت إسمنتي كملحقة لمكتب الحالة المدنية تم إغلاقه بعد أن أصيب الموظف بكسور في إحدى أعراس سكورة .ناضل السكان حتى تم تعيين ممرض مداوم يقدم خدمات طبية أولية، كتلقيح الأطفال و تطهير جروح ناجمة عن حوادث شغل أو تعفنات جرثومية.

مستوصف إيماسين

و مع استمرار نضال النساء تم بناء مستوصف بالمواصفات المعيارية الحديثة، إلا أن عدم استقرار الممرضين المعينين و ارتفاع الطلب على الخدمات الطبية جعل دوره قاصرا.

ظلت إيماسين ترزح في ظلامها منذ الاستقلال و لم يشتعل أول مصباح إلا في نهاية عام 2004 رغم مرور الأعمدة الكهربائية و حبالبها السوداء في سمائها منذ أمد بعيد.

أما مياه الشرب فكان أول مشروع رأى النور بإفران- البور-أيت امحمد ليمتد بعد ذلك بشراكة بين جمعية محلية و الجماعة و منظمات أجنبية.رغم مرور عشر سنوات على المشروع مازالت مياه الصنبور غير صالحة للشرب ناهيك عن تخبط في التسيير نتيجة تشابك الزعامة و الوجاهة و الإدارة و القبلية و السياسة و المال،ليبقي مشروع الماء الصالح للشرب بتغزوت الأكثر نجاحا حتى الآن و يديره شباب بكفاءة و صرامة عبر جمعية أسيف.

من تغزوت إلى إيماسين لا يتوفر دار شباب أو دار ثقافة أو نادي،فيلجأ الشباب إلى عقد اجتماعاتهم و لقاءاتهم في مقاهي محلية و ما يصاحب ذلك من حساسيات و مزايدات.

و أحيانا ينظمون معارض كتب و ندوات داخل خيمة ،حفظا على ماء الوجه يسمونها خيمة ثقافية.

لا توجد مراكز خاصة بمحو الأمية،إلا أن جهود النساء و ابداعهن و إرادتهم القوية في محو أثر الأمية و الجهل اشتغلن في المنازل و المساجد و مرائب و بنايات مهجورة،و لعبت الناشطة “سميرة” دورا بطوليا في انشاء عدة مراكز لمحو الأمية وصلت حتى تغزوت،متحدية الثقافة الذكورية المفرطة و بعد المسافة بين الدواوير.

بإيماسين مجموعتين مدرسيتين،و أربع فرعيات.أغلب هذه المدارس لا تتوفر على الكهرباء و الماء و الأدوات الديداكتيكية الأساسية.

أغلب الأساتذة شباب،يسكنون بمدينة ورزازات هروبا من العزلة التي تستحكم قبضتها على إيماسين،و رزغبتهم في استكمالهم لدراساتهم العليا.و هذا ما يخلق بعض التوتر أحيانا مع السكان،خاصة في تغزوت.فيكون الإعلام شاهدا على بعضها.

إيماسين تتنازعها انتماءات متعددة و مصالح غير متناغمة، إنتماء قبلي لأيت زكري تقوده مصالح أراضي الجموع و المراعي و تغذيه وحدة الدم.انتماء اقتصادي لقلعة مكونة يقوده القرب الجغرافي و سهولة المواصلات و يغذيه تقارب ثقافي.انتماء إداري لسكورة تقوده مصالح سياسية و تغذيه الرغبة في انتزاع مشاريع تنموية من ميزانية الجماعة.

رغم الجدلية و التفاعلية التي تحكم إيماسين بمحيطها الجيواستراتيجي،فإن ذلك لا يخفي صراعا محتدما تحت الرماد.فالصراع مع أيت زكري يستهدف التخلص من الإرث القبلي الثقيل.الصراع مع قلعة مكونة ثقافي و اجتماعي رغبة في تأكيد الذات.صراع مع سكورة التي تعتبر إيماسين دودة زائدة لا فائدة منها سوى امتصاص بعض عشرات آلاف الدراهم كلما دشنت الجهات العليا للمخزن مشروعا هناك (طريق،سواقي …).

و رغم ذلك فلا أحد من هذه الأطراف يجرأ على إعلان القطيعة مع إيماسين،لما تتوفر عليه من مناجم و سوق استهلاكية و انتاج فلاحي كروابط اقتصادية و أخرى ثقافية و اجتماعية.

بين هذا وذاك مجتمع مدني يبذل قصارى جهده لتحقيق تنمية تليف بمجتمع إيماسين و وعيه السياسي و كفاءات شبابه و تاريخ أجياله و موقعه كهمزة وصل بين إقليمين متجاورين:تنغير و ورزازات.

أ. أحمد دريسي

Vous aimerez aussi...

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *