العمل الجمعوي .. من التعدد إلى التخصص

رأى العمل الجمعوي النور في واحة تغزوت إيماسين منذ التسعينيات من القرن الماضي على يد خريجين شباب .. تأسست هذه الجمعيات على أساس الاحتياجات الضرورية للواحة خاصة: الماء الصالح للشرب والكهرباء، وبعض الأنشطة الثانوية الأخرى كالاهتمام بالمدارس والمستوصف وغيرها. ويمكن القول أن تنمية البنية التحية للمنطقة هي العمود الفقري للعمل الجمعوي .. بعد 2010 لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا أساسيا في تواصل شباب الواحة في الجامعات وتنسيق الجهود لانشاء جمعيات شبابية تحاول ملأ الفراغ الذي تركته الجمعيات التقليدية في مجال الثقافة والفن والتنشيط التربوي والرياضة والمسرح .. طلبة الجامعات رغم تحديات التمويل استطاعوا أن ينقلوا تجارب جامعية في التنشيط التربوي والندوات الفكرية وأمسيات غنائية وترفيهية للأطفال بل ولكل الفئات العمرية ..
الواحة يحكمها منطق “قبيلة العيد” حيث يهاجر الشباب إلى الجامعات والمعاهد ومراكز التدريب ويهاجر الرجال طلبا للعمل في المؤسسات وأوراش البناء وقطاع الخدمات وغيرها .. حقق هؤلاء المهاجرين نجاحات في مهماتهم هناك في جهات الاستقبال بالمدن الساحلية الجذابة و مدن الوسط .. في الأعياد يعود المهاجرون والشوق يغمرهم للقاء الأحباب والأهل والعائلة والجيران والأصهار والأصدقاء .. أجواء الاحتفال تحرك أشجانهم وتغذي التمسك بتلك الأرض رغم ما يحول دونها من بعد المسافة وشح المياه وقساوة المناخ وضيق الأفق .. ربما يشم الجميع رائحة التراب بعد نزول أمطار موسمية كأنها ضيف مستعجل .. فتلقي السحب حمولتها وتسوقها الرياح إلى بلاد عطشى في الجنوب والشرق ..
في العيد يعود الناس إلى ديارهم بخبرات وأرصدة ورساميل متنوعة .. فتحدوههم رغبة في تحريك الأنشطة الجمعوية الراكدة بتجديد مكاتب وجمع التبرعات ودفع الطلبات للجهات الحكومية المسؤولة عن القطاعات الاجتماعية الحيوية كالصحة والتعليم والنقل والتجهيز ..
بعد التقدم الحاصل في البنية التحية ولو على مستوى البنايات على الأقل، انتقل الاهتمام الجمعوي إلى فك العزلة عن الدواوير المختلفة بطلب شبكة الطرق والقناطر وتوفير وسائل النقل المدرسي والعمومي من وإلى أقرب مركزين حضريين قلعة مكونة شمالا وسكورة جنوبا ..
الشباب طاقة وحيوية وحماس .. غالبا ما تنظم دوريات محلية لكرة القدم تمكن الشباب من ممارسة الرياضة الأكثر شعبية لدى شعوب العالم؛ لسهولة ممارستها .. فالأمر لا يتطلب سوى كرة متوسطة الحجم وساحة وحضور فريقين متكافئين وقليل من المتفرجين..
دوريات كرة القدم بقدر ما توفره من مساحة التواصل بين الدواوير والتعارف وتبادل الزيارات بقدر ما تفرض تحدي التنظيم وحماية المشاركين ومنع المشاغبين من إحداث الفوضى التي تزيدها الزوابع والأتربة تأججا .. هنا فكر كثيرون في إحداث جمعية إيماسين للرياضة وتتخصص في الشأن الرياضي بكل فروعة وألعابة ولوازمه المادية وضوابطه القانونية من ضبط الأمن والتأمين والاسعاف والبدلات والحمامات وغيرها ..
هنا دخل العمل الجمعوي في منعطف جديد هو التخصص في مجال واحد بدل تعدد الاهتمامات الذي يضعف مردودية العمل الجمعوي … والتخصص مازال في بدايته وسنشهد قريبا جمعيات أحدوس وأحواش وجمعيات القصبات وجمعيات التشجير وجمعيات الفكر والفلسفة وجمعيات العلوم وجمعيات مربي الدجاج وجمعيات المقاهي وغيرها من التخصصات التي تحدد مجال اشتغال الجمعية في نقطة محددة ..
ما تبدله الجمعيات التقليدية والحديثة من جهد لا يستهان به نظرا لشح الموارد المادية وموسمية العمل وهجرة الكوادر الجمعوية إلى المدن حيث الجامعات ومؤسسات العمل ..
الفاعلون الجمعويون في واحة أسكا إيماسين يحاولون توحيد جهود العمل الجمعوي الموسوم بالتعدد في نسيج جمعوي يدير التنوع وينظم الأدوار ويخطط لملفات ومطالب جامعة لكل المنطقة .. فالنسيج الجمعوي استطاع إيجاد إطار قانوني يوحد جهود الجمعيات على اختلاف أهدافها ومجالات اشتغالها .. وأمام النسيج الجمعوي مهمة فتح حوار مع الجمعيات الحديثة التأسيس لتنخرط في النسيج وإدارة المشهد بديمقراطية وشفافية لتقوية النسيج وإنجاح مساعيه التنموية ..
العمل الجمعوي في واحة تمسراوت إيماسين دونه عراقيل كثيرة .. ربما هذه العراقيل من جهة أخرى هي سبب نجاحه وتشبته بالعمل والاستمرار رغم كل ذلك ..
من حسنات العمل الجمعوي بإيماسين بويقبا أنه مرتبط بالوعي الذي يتمتع به الشباب المؤسس ما جعل مساحة التواصل بين الشباب أكبر وأتاح فرصة للتفاوض بين المجتمع والادارة واقعيا..
لكن موسمية الحضور والاشتغال يؤخر نضج تمار الجهود التي يبذلها الشباب سواء من خلال الطلبات المقدمة للجهات الحكومية أو المظاهرات الاجتجاجية التي ينظمونها مع كل أزمة كأزمة الزيادة في تسعيرة التنقل من وإلى إيماسين وحملة المطالبة ببناء إعدادية وغيرها من المحطات ..
تمة عراقيل مرتبطة بالتأسيس وتجديد المكاتب .. فغالبا ما يسمح بقليل من الديمقراطية بالحضور .. فتسند بعض المناصب لشخصيات فقط لجبر الخواطر واحترام المكانة الاعتبارية والروابط العائلية واستمالة قبلية بإعطاء منصب لرجل من أيت كندو رغم أن رجل أيت حمو فكو هو الأكفأ وغير ذلك من هذه الأعطاب التقنية التي تضعف الفعالية والكفاءة والجرأة في النقد والمحاسبة والشفافية والاحتجاج على قرارات غير مناسبة أو تلك التي تتخذ بانفراد …
من الأمور التي تفسد العمل الجمعوي هي “الاجماع” .. الاجماع خرب الديمقراطيات العربية المتعثرة وخرب العمل البرلماني والمجالس والهيئات .. لماذا الاجماع؟ أن يحضر جمع من الناس في قاعة لإدارة جمعية يعني تعدد الآراء واختلاف وجهات النظر واقتراحات وقبول ورفض بناء على مصلحة الجمعية وقدراتها البشرية والمالية … أما الاجماع الذي ابتليت به الأمة فيعني الاتكالية والنزعة الفردانية والتأسيس لاستبداد أقلية بالرأي وكتم أصوات الأغلبية “المسالمة” .. دمقرطة العمل الجمعوي بوابة أساسية نحو تجديد المكاتب وفعاليتها وعقلنة العمل الجمعوي وتطويره على أسس التنافس الشريف والعطاء والاعتراف بجهود الآخرين ..
بالاضافة إلى “العنصرية القبلية” التي يتداولها ناشطون جمعويون في اجتماعاتهم .. “العنصرية” هي شعور البعض بالتفوق والأفضلية لانتمائه القبلي أو الأسري .. 
من خلال الملاحظة فلا يوجد من هو أفضل من من .. الكل سودت حرارة الشمس جلدتهم وجرفت السيول حقولهم وقتل الجفاف أشجارهم … لم العنصرية؟ ومن هو أفضل من من؟
ربما في بداية القرن العشرين يشعر أيت عبد الله بالتفوق لأنهم يملكون السلطة زمن السيبة وينافسهم أيت بومسهول وينغص عليهم أيت عبد القادر حملاتهم الهجومية على من شق عصا الطاعة عنهم ..
أما اليوم فيوجد في إغرم أقديم من هو أفضل حالا من أحد عناصر أيت عبد الله، ويوجد في تمريخت من هو أفضل حالا من عنصر من عناصر أيت امحمد الأذكياء ..
العنصرية مرض اجتماعي وسيكولوجي يعاني منه قلة من الأفراد الذين لا تأثير لهم ولا دور .. الجميع يعاني من ذات المشاكل الهيكلية من عزلة وخصاص في القناطر والمستوصف وغيره … لا يوجد من هو أفضل من الآخر إلا من حاز الأفضلية بالعلم والأخلاق والعطاء والصبر والتضحية من أجل راحة وسلامة وتنمية أطفال الواحة ونساء الواحة وسواقي الواحة ..
لاحظت خلال تأسيس جمعية إيماسين للرياضة أن الحضور الشبابي تركوا الكراسي الأمامية وتزاحموا على الأمكنة الخلفية ! هذا يترجم هروب الشباب من المسؤولية الجمعوية نتيجة الاتكالية وضعف التعاون وتشخيص الجمعية في رئيسها الذي يقوم بكل شيء من كنس المقر إلى مقابلة المسؤولين ونسخ الأوراق وجمع الانخراطات .. والأدهى والأمر تلقيه لوابل من الاتهامات الفارغة من المحتوى بأنه ينهب أموال صندوق الجمعية .. ومن يوزع الاتهامات جزافا لم ينخرط ولم يقدم للجمعية ولو درهم واحد .. إطالة اللسان على نشطاء الجمعيات وتجريحهم بألسنة حداد أشحة على الخير يضعف إقبال الشباب على تحمل المسؤولية رغم الكفاءة والرغبة في التضحية ..
يواجهه العمل الجمعوي بواحة إيماسين كذلك “النقد من أجل النقد” .. لو قال الشباب أن لون الورد جميل لقال الناقد “الأجوف” بكل عنف ووقاحة أن لون الورد مزور .. ولو أجمع الناس على أن الطريق الرابطة بين أيت بنسعيد وأمردول مهمة في فك العزلة وربط المصالح وتخفيف معاناة الناس لقال هو لن نترك الطريق تمر ولحاول إشعال حرب الباسوس باستعداء العداوات القديمة بهدف وقف هذا الطريق .. رواد النقد من أجل النقد أغلبهم من أصول الواحة ويدعون وصلا بها لكنهم لا يزورنها في البرد ولا فيالحر ولا في أوقات الأزمة .. فقط يأتون خلال أوقات ينعان التمار فيمضون وقتا قليلا ويلتقطون صورا قرب هذه القصبة أو ذلك البسان ليتفاخروا بها على صفحاتهم على الفايسبوك أنهم ابناء “أمردول نعموم” و أبناء “تمازرت” .. تلك “تمازرت” التي لم يقدم لها أي شيء ليغير من حالها بما هو متاح .. هؤلاء تلفظهم “تمازرت” وتحتقرهم .. فهم لا يملكون سوى صفحة على الفايسبوك ينشرون فيها عنترياتهم المزيفة ورقم هاتف أكبر فاشل جمعوي ليستخدموه في التحريض ضد نشاط جمعوي أو مصلحة دوار أو استكمال طريق ..
النقد من أجل النقد تعبير عن عجز في المبادرة وتقديم بديل و جمع الناس على مصلحة عامة أو مساعدة جمعية …
عندما تحضر اجتماعات الجمعيات بإيماسين فتجد السياسة هي الحاضر الغائب .. البعض له تعاطف حزبي ويحاول اخفاءه لغويا واظهاره سلوكيا والبعض الآخر له حساسية مفرطة من الأحزاب السياسية، والبعض الآخر يبالغ في الالتزام بالقوانين العامة للدولة من دستور وغيره مخافة أن يتم تجميد جمعيته وعرقلتها بسبب سياسي ..
والواقع أن السياسة ببساطة هي إدارة الشأن العام؛ والأحزاب هيئات لممارسة السياسة والادارة وتأطير المواطنين ..
إذن على الجمعيات الانفتاح على المؤسسات الحكومية والأحزاب والمنظمات الحكومية والمستقلة والدولية لجلب التمويل وانجاز المشاريع والأنشطة المختلفة ..
هناك شخصيات جادة وفاعلة داخل مؤسسات الدولة وداخل الأحزاب تقدم الدعم والمساندة للجمعيات بكل نزاهة وشفافية، دون أن تكون الجمعية بوقا من أبواق الحزب ولا عرابا له ولا مبشرا بمشروعه .. الجمعية تعمل بذكاء وواقعية لخدمة مصلحة الواحة والاستعانة بكل من يمكن أن يساهم بدعم ما سواء كان من أشخاص أو مؤسسات أو غيرها ..
فالأحزاب ليست شرا مطلقا يجب التهرب منها، هناك أحزاب تحترم دورها الاجتماعي في مساعدة جمعيات أهلية .. طبعا هناك أحزاب تمارس مكر الثعالب فلا تحضر للواحة إلا وقت الانتخابات وتشتري أصوات الفقراء بالمال السياسي الفاسد . مع توالي التجارب فهم آل الواحة خطورة بيع الأصوات على مستقبل التنمية بالواحة ..
مقر الجمعية هو عبارة عن قاعة غير مجهزة وغير مكتملة البناء وفيها بعض الكراسي التي عانقها الغبار وسكنها البرد .. لا ماء ولا كهرباء .. كل ما هنالك أوراق وأقلام وصمت متقطع وكلام يفصح عن الأهداف .. شعاع يتسرب من على النوافذ المترعة نحو الخارج .. ربما ذلك الضوء هو الجزء اليسير من الأمل الذي يتشبت به هؤلاء الشباب ليستمروا في الحياة الجمعوية والنضال من أجل كرامة الواحة بل ومن أجل بقائها على قيد الوجود..
لا نملك ما ندعم به سوى حفنات من التشجيعات وقليل من التصفيقات على المضحين بوقتهم من أجل الرياضة والإنسان ..

أ. أحمد دريسي

Vous aimerez aussi...

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *