كنوز ورزازات 2| تغزوت..القرب حجاب

*عتاب خفيف: لم يخطر ببالي يوما أن أكتب سطورا متواضعة عن دوار تغزوت الذي ترعرعت فيه و نسجت فيه خيوط طفولة مضمخة بالسعادة و البساطة لولا عتاب أصدقائي. و هذه حرفة يتقنها كبار الكتاب من أبناء هذه البلدة و هم بالعشرات، أمثال الأستاذ حسن أيت موح و الأستاذ رشيد الراجي و آخرون من مالكي نواصي اللغات الأربع و هم أرقى مني ثقافة و فكرا و تجربة .
و اسمحوا لي يا أبناء “تمازيرت” أن أخوض هذه المغامرة بلا زاد سوى ما تعلمته منكم و من أمثالكم.
*تغزوت: قرية على الحدود بين اقليمي ورزازات و تنغير، و يقسمها واد درعة إلى ضفتين شرفية و غربية.
*استنطاق الطبيعة: عقدت عزمي أن أتجول في كل الأرجاء لأنقل شهادة تنبض بالحياة حول ما أسمع و أرى.
حاولت أن أصطحب أحدا من الأصدقاء للمآنسة و إطلاق العنان لنقاش موسع يعمق الفهم السوسيولوجي ،إلا أن العطلة سبقتني إليهم. فتجولت وحدي. و في ذلك حكمة بالغة. اكتشفتها لما أصغيت للطبيعة و هي تتكلم.
انطلقت باكرا إلى شلال المضيق المعروف ب “أكلزي”، حيث موعد الطيور و العصافير مع الربيع.الكل يغني على سجيته.
وقفت مسمرا أمام عظمة كتلتي الصخر الأسود الذي يتدفق منه ماء زلال إلى بحيرة بها دوائر توليدية تتشكل أقواسها بانتظام زمني و حركي كالساعة الرومانية القديمة. شدو البلابل و عندلة العناديل و هدهدة الهداهيد و عفعفة الصقور و صعير النسور ونقرات نقار الخشب و هديل الحمام و ترانيم اليمام و زقزقة العصافير و طيور أخرى أجهل أسمائها العربية و تسمى محليا أزوقف و تمنخير و أصبان و بوزبيب… و طنين النحل.لوحت موسيقية تشنف الآذان،كورال يضبط الربيع المزهر إيقاع أنغامه.
أثناء عودتي بدأ نقيق الضفاضع يرتفع إيدانا بموسم الأعراس، لا يعكر صفوها سوى تلك اللقلاق التي تحوم في المكان باحثه عن وجبة تسد الرمق.
صاحبت مياه الوادي و رائحة “تميجا” تفوح و أزهار تداعبها فرشات تتدلى فوق أحجار يخرج منها الماء. 
لم أعرف كيف أعرب عن احساس غمر كياني و أسر فؤادي، عدت أدراجي بخطوات متثاقلة كأني أمشي خلال النوم.و حقول الزرع و أشجار التين و اللوز و الرمان، و عنب يتمدد على الأغصان بلا استئذان يطلق عناقيده بسخاء.صفوف من أشجار الورد تحرس الحدود.
*أناس على رؤسهم عمائم: كلما مررت بأحد الدواوير إلا و ألتقي رجالا على رؤسهم عمائم الوقار يدعونني إلى جلسة الشاي.. عنوان الكرم و الحفاوة. وجدت وسط إغرم أمردول فتيات تحت حائط التابوت يراجعن دروسهن، شدني الأمر كثيرا لما قيل لي أنهن في السلك الإعدادي. لولا ثقافة الأسود و الأبيض لسألتهن عن سر اختراقهن حواجز العادات و التقاليد و بعد الإعدادية لمتابعة الدراسة.
قيل لي إن أردت أن تفهم تغزوت استمع لكبارها، فتوجهت إلى “موح أو الحسين” الذي عاصر أربعة ملوك. قال إن البلاد عاشت تحت وطأت تاريخ من ظلم الحرب الأهلية إبان السيبة، ثم مجاعة عام الأرز و بعدها سطوة أيت عبد الله ثم سواد الإستعمار. ذكر لي أنه رآى الموت ماثل أمام عينيه أكثر من مرة، بالرصاص أو الخنجر أو السم. شهد التحالفات و الصراعات و الأعراف و الأعراس و الأفراح، عاصر التغيرات الكبرى و خبر مكونات النسيج الإجتماعي و تعايشها بعد أن أدرك الجميع أن الكراهية و العداوة و الإنتقام و الثأر يهدد الجميع بالغرق. فتغزوت فيها الشرفاء و الأمازيغ و المرابطين و غيرهم. توحدهم القبلة و الإنسان. 
و إن أردت الثقافة فهيا للقاء “الرايس” أو الفنان،وجدته قرب المسجد قبيل أذان المغرب تحلق حوله جماعة من الناس، فقلت السلام ، ردوا التحية بأحسن منها. بادرته بالسؤال، ماذا تفعل؟ رد علي: أمثل لقطة في مسلسل الحياة ههه. نظراته تختزل كلاما كثيرا. و أضفت لماذا يلقبونك بالفنان، فرد ثانية أنا أنظم الشعر و كان لي عود و دف. و أنا أعرف مرادك، فأنا أحب من يهتم بثقافتنا. موعدنا المزرعة و سأدعو فنانين زملاء في حضرة البراد و الطاجين و عليك بالكاميرا و القرطاس و القلم. اتفقنا. فوافقت على الفور.
و انتظروا أصدقائي تفاصيل هذا الموعد في حينه. رغم إلحاحي عليه أن يزف لنا بيتا من الشعر إلا أن رفع الأذان أنهى اللقاء.رجال ونساء كثيرون تحدثوا إلي و حملوني رسالة إلى شباب تغزوت تفيد بحفظ هذا المورث الثقافي من الضياع.
*المجتمع المدني ينمو بهدوء: تنشط جمعيات تنموية ذات النفع العام في مجالات المياه الصالحة للشرب و إمداد السواقي و بناء القناطر و تجهيز الأعراس و المناسبات العائلية، و توفير الخدامات الطبية خاصة للأطفال و النساء..
*الشباب مستقبل واعد: فرقت أقدار الهجرة شباب تغزوت بين أوراش العمل في المدن و بين مختلف الجامعات و المعاهد و المدارس… و هذا مصدر سعادة غامرة، تبشر بمستقبل واعد لهذه الساكنة . أيها الأعزاء لا أسعكم إلا بالمحبة و التشجيع..
ذكر لي أن في القرية شابا ذا تجربة أكاديمية كبيرة،إنه الاستاذ الباحث الدكتور سعيد أتلبون جمع بين العلم و التواضع. حاولت جاهدا أن اصغي إليه، بيد أن اشغالاته لم تسمح إلا بمصافحة عابرة كالحلم.و هو نموذج من حالات مشرفة من طلاب العلم لا يتسع المجال للوقوف عندهم، إنهم نجوما رصعت سماءنا بالنور و الجمال و صقلت عقولنا بالأمل و التحدي.
تبين لي من هذه الجولة أن سفينة تغزوت ترسو على شاطئ من الثقافة و التاريخ و الكرم و القيم و العلم. لم يمنعني من اكتشافه إلا القرب الذي يضبب الصورة، و غياب الدهشة الإبستمولوجية.و النظرة المألوفة للأشياء. هنا كبار يحرصون الهوية و شباب يتهيئون لمستقبل يليق بقرية العنب و التين و الأعراس. تسامرت مع بعض هؤلاء على مرتفع أمام “إغرم نوزرو” أي قصبة الصخرة ، فاختلطت حبال السوسيولوجيا بنصوص القانون و قواعد الإقتصاد و الأدب الفرنسي و الشعرالعربي و نظريات الفزياء و تأملات الفلسفة و مهنة الصحافة و علوم الإدارة و قضايا التعليم و دهاليز السياسة و آمال المستقبل. نقاش ساحن، كل يدلي بدلوه، اضطرتني قلة معرفتي أن أتصالح مع السكوت، بل و أن آخذ ورقة و قلما لأسجل أفكارا و أقوالا و كتبا و أسماء. ما أروعه من لقاء مفيد!

أحمد دريسي

           بقلم أحمد دريسي

 
 
 

Vous aimerez aussi...

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *